أعظم استثمار
ليس هناك استثمار أعظم ، ولا مشروع أنبل، من أن تستثمر في أبنائك: في عقولهم ليحسنوا التفكير، وفي قلوبهم ليصفوا من الكدر، وفي إيمانهم ليكونوا بالله موصولين، وفي عاطفتهم ليكونوا عطوفين، راحمين، أقوياء بالمحبة لا بالقسوة.
اجعل أول ما تهبه لهم حبك، لا حبًّا يُخفى في الصدر، بل حبًّا يُقال ويُرى ويُعاش.
قل لهم: “أنا أحبكم”، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنس:
“يا بُنيّ”، وقد خدمه عشر سنين، فلم يسمع منه كلمة نهرأو تقريع.
وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تحبّه؟” – أي الحسن – قال: “اللهم إني أُحبّه فأحبّه”.
هكذا هو الحبيب، لا يخجل من إعلان المحبة، بل يجعلها عبادة، ودعاء، وتربية.
ازرع فيهم الإيمان قبل العلم، واليقين قبل الحفظ، والرحمة قبل الحزم، والتقوى قبل التفوق.
علّمهم أن يكونوا ممن قال الله فيهم:
{والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا} [الفرقان: 74]
فهؤلاء هم القادة الذين نشؤوا في حضن الطاعة، وغُذّوا بحليب الرحمة والقدوة.
لا يكفي أن تطعم أبناءك وتلبسهم، بل أطعم أرواحهم، وألبس قلوبهم نورًا، وخذ بأيديهم نحو طريق المتقين.
كن لهم أول مدرسة، وأول قدوة، وأول من فتح لهم كتاب الله وعلّمهم حروفه وسيرته.
فإن خرّجت للمجتمع جيلاً متوازنًا، يحمل نور الدين في قلبه، وفهمَ الدنيا في عقله، ويسير على بصيرة، فذاك هو أثرُك الباقي، وذاك هو استثمارك الحقيقي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له” [رواه مسلم].
فاجعل أبناءك صدقتك الجارية، ودعاءهم لك كنزك الذي لا ينفد.
وما دون ذلك من استثمارات، مهما علا ربحها، فهي مجرد تحقيق لرغبات النفس، لا تبني بها أمّة، ولا تُقيم بها ميزانًا عند الله